الشباب وتفاهمه مع الاسرة
إن المشاكل التي يواجهها الجيل الجديد من الشباب تطرح على مستويين: الأول بصفته فرد في العائلة والثاني بصفته مشروع تكوين عائلة جديدة. إن الصورة الطاغية للعلاقات الأسرية بين الشباب والأبوين في مجتمعنا الفلسطيني هي من نوع النظام الأبوي السلطوي الذي يتميز بسيطرة الأب المطلقة وخضوع الأم بشكل ظاهر مع تأثيرها بشكل خفي إلي جانب دور مميز للأخ الأكبر وأخيراً وبمثابة أقل شأنا بالنسبة للبنات. ومع وجود نظام كهذا من الطبيعي أن نتوقع نزاعاً بين الأباء والأبناء وعدم وجود حوار مستديم وقائم بين الأجيال مما يتخلل ذلك من سلبيات وتداخل وصراع، وهذا يعنى في جزء كبير منه هو غياب الحوار القائم بين الأجيال مما يولد علاقات متنوعة حسب الموقف والذي يسبب ذلك الاختلاط وأساليب التربية، والذي يعنى وجود الاختلال في العلاقة بين الفرد والأسرة والمجتمع بحيث تفرز أثاره السلبية على كليهما وأهمها صعوبة التكيف وتحقيق التوافق الأجتماعي.
ومما لا شك فيه بأن المستقبل لتطور العلاقات بين الشباب والأباء يصعب تحديده في ظل سيطرة الأعراف والتقاليد الاجتماعية والمورثات المختلفة على نمط التفكير السائد وفي ظل سيطرة نمط العائلة التقليدي. ويتطلب هذا بذل جهود غير عادية من أجل معالجة هذه الآثار من خلال العمل في إطار التثقيف الاجتماعي والمدني التي تتكيف وسائلها وتقنياتها حسب الوضع الاجتماعي والثقافي للمجتمع الفلسطيني.
كما أنه يجب النظر إلى نظام التربية الموجود في العائلة والذي يعتمد على سيطرة ذكورية مطلقة، وتفضيلا للذكور على الإناث. مما يؤدي إلى خلق فجوة في داخل العائلة وتنامي مشاعر الحقد والغيرة والكراهية بين الجنسين.
كما أن النظام القائم في داخل العائلة يعزز الأتكالية وعدم الاعتماد على الذات وخاصة للشباب الذكور، مما يخلق حالة من السلبية لدى الشباب وفقدان روح المبادرة والمشاركة.
أن فقدان النظام الديموقراطي في داخل العائلة والذي يعتمد على مشاركة الجميع واحترام رأي الجميع، وفقدان النموذج أو المثل في داخل الأسرة من أجل تطبيق هذا النموذج وروحه، يجعل من البيت مركزا لقمع الأفكار والتسلط الأعمى والقيادة الفردية والقرار الواحد، وكل هذا يجد صداه من خلال ممارسة الشاب لحياته خارج منزله- في مجتمعه. ويعكس الصورة العامة للحالة الديموقراطية في مجتمعنا.
إن الفرق بين وضع الصبيان والبنات واضح وجلى في مجتمعنا. فالبنات أكثر خضوعا لسلطة الأباء من الذكور، لكن تمردهن في المقياس الاجتماعية أكثر راديكالية لأنهن عرضة للمراقبة والتميز والنظرة الدونية من قبل الأباء وأفراد المجتمع بشكل دائم. وهذا يؤثر بشكل رئيسي على الدور الاجتماعي للفتيات في المجتمع ومدى مشاركتهن المتوقعة في الأنشطة الاجتماعية المختلفة. ولاشك أن هناك فروقا ملحوظة في درجة المراقبة والنظرة والمشاركة أخذا بعين الاعتبار البيئة الاجتماعية والثقافية. فقد تكون هذه النظرة اكثر شيوعا في مناطق الريف عنها في مناطق المدن، أو في داخل الشرائح الاجتماعية المثقفة أو المتعلمة.
وينعكس هذا أيضا على انتشار الزواج المبكر للفتيات وخاصة في المناطق الريفية، حيث تحرم الفتاة في أغلب الأحيان من إكمال تعليمها المدرسي وممارسة طفولتها. ويعكس هذا مدى حرمان الفتاة من أبسط حقوقها في تقرير مصيرها واختيار شرك حياتها والنظرة الدونية للمرأة في ثقافتنا. زد على ذلك التأثيرات الصحية والنفسية للزواج المبكر على الفتاة الذي قد يتسبب في بعض الأمراض الناتجة على الحمل المبكر والممارسة الجنسية الخاطئة وقلة الوعي والإدراك الجنسي.
ويرتبط بهذا الموضوع أيضا زواج البدل والزواج الإجباري للفتاة وزواج الأقارب، وكل هذا ينعكس سلبا على الفتاة ونفسيتها وعلى العلاقة مع زوجها وأفراد عائلتها، مما يخلق نوعا من عدم الانسجام الاجتماعي وعدم الاستقرار النفسي للفتاة والعائلة وينعكس هذا سلبا على الأطفال.
ومع انتشار وسائل الأعلام المرئية بشكل مذهل وما تبثه من كم هائل من برامج عنف وجنس، مما أدى إلى بروز مشاكل اجتماعية تتعلق بزيادة العنف في داخل الأسرة. وتعتبر الفتيات والأطفال اكثر تعرضا للعنف والأكثر تعرضا للتحرش الجنسي داخل العائلة من قبل أحد الأقارب. وكل هذا يخلق حالة من عدم الاستقرار الاجتماعي للشباب ويترك أثارا نفسية وجسدية بعيدة المدى وقد تمتد على مدى الحياة.