اضطررت أمس لصحبة أحد الشباب فى مشوار بالسيارة استغرق حوالى ساعة.
الشاب تخرج من الجامعة العام الماضى و وفقه الله إلى وظيفة معقولة بإحدى الشركات و يفكر الآن فى الزواج.
حاولت التعرف عليه أبعد من ذلك فلم أجد ما أتعرف عليه.
سألته عن هواياته مثلا فأجاب " يعنى ... مفيش حاجة محددة " .
سألته عن أقرب أصدقائه لقلبه فقال " كتيييييير .. "
قلت : أكيد فى واحد أقرب لنفسك.
قال : ممممم ... آه .. فلان.
قلت : ما شاء الله ... متى رأيته آخر مرة ؟ و كيف قضيتم وقتكم ؟
قال : فى الحقيقة من فترة طويلة ... و يعنى ... قعدنا شويه .. و اتمشينا شويه و اتعشينا ...
سألته لماذا دخل كلية التجارة ، فقال المجموع طبعا.
قلت : لكن كنت تتمنى تدخل كلية غير التجارة ؟
قال : بصراحة ما فكرتش ... مش فارقة كتير.
سألته عن والديه فوجدته تقريبا لا يراهم فى اليوم إلا دقائق ، حتى الأكل يتناوله بمفرده أو خارج البيت.
ترددت قليلا حين أردت أن أدردش معه عن العراق .. و لكن تجرأت و فعلت ...... فقال كلاما عجيبا خليطا من أشياء متناقضة مثل : ربنا يكون فى عونهم .. الأمريكان دول مجرمين .. بس بصراحة العراقيين يستاهلوا ... و بعدين احنا مالنا ؟؟ ... كفاية المشاكل اللى عندنا فى مصر.
التقطت الخيط و سألته : مشاكل أيه اللى عندنا فى مصر ؟
قال : مشاكل فى كل حاجة .. البلد بقت متخلفة جدا.
قلت : تقصد فى التعليم ؟
قال : لا .. التعليم أظنه معقول.
قلت : المرور ؟؟
قال : طبعا .. لكن برضه ... يعنى الحكومة هتعمل أيه ؟؟ ... العربيات بتكتر جدا .. و بيحاولوا فى الطرق الجديدة .. و الدائرى ..
قلت : البطالة بين الشباب ؟؟
قال : لا و الله ... أنا لقيت شغل فى خلال شهرين بس ... لازم الشباب يتحرك و يتعب.
قلت : آه ... يبقى السياسة و مشاكلها ؟؟
قال : بصراحة ماليش فى السياسة ... و ما أحبش دوشتها.
قبل أن يتملكنى اليأس من مواصلة الكلام معه ... جربت أن أنتقل لدائرة مختلفة.
قلت : تتمنى أيه بقى يا ( ..... ) فى عروسة المستقبل ؟؟
قال : نفسى تكون بنت كويسة جدا جدا ...
قلت : تقصد أخلاقها و دينها .... ؟
قال : طبعا .. لكن المهم على بعضها تكون كويسة جدا جدا.
قلت : و أسرتها ؟؟
قال : يعنى ...
قلت : فى مواصفات فى شكلها مثلا ؟ ... أو تعليمها ؟؟
قل : مش بالظبط ... شوف المهم تكون كويسة جدا.
قلت : جدا جدا ؟؟
قال : هههههه ... طبعا.
لا أدرى لماذا .. لكن برغم احساسى أننى كنت أتكلم مع نفسى ... لكن شعرت بشفقة شديدة نحوه .. زاد منها أننى لاحظت فيه أدبا و دماثة و ذكاء فطريا.
كيف وصل هذا الشاب إلى هذا الفراغ ؟؟ ..... فراغ نفسى و فراغ فكرى ..... و قد رأيت كثيرين مثله و لا أعرف إن كان هذا يصل إلى حد الظاهرة .. و لكنه بالتأكيد نموذج منتشر جدا.
من المؤكد أن هناك عوامل كثيرة متشابكة أفرزت هذا الكيان الجديد و لكن يشغلنى الآن البحث فى الوسائل التى تخرج هذا الشاب و غيره من هذه الحالة التعيسة ..
لقد مرت بى أمثلة عديدة لشباب وجدوا مخرجهم فى الالتزام الدينى ... و بدأ مع التزامهم تغير كبير فى شخصياتهم و اهتماماتهم .. و تغير شكل حياتهم... و أصبحوا أعقل و أبعد نظرا .. و أكثر انفتاحا على الحياة من حولهم و تفاعلا معها .. يتأثرون و يؤثرون.
و هناك آخرون .. ربما لا يكون طريق الدين ميسرا أمامهم فى الحال ... و يحتاجون ما يستثيرون به الكامن فى نفوسهم من طاقات و فكر و نشاط.
د. محمد هشام راغب